اقتصاد

جائزة” نوبل في الاقتصاد ” كيف انتهكت الايديولوجية النيوليبيرالية وصية نوبل

 الدكتور بخاري لحلو

تروي قصة جائزة ”بنك السويد للعلوم الاقتصادية تخليدا لذكرى ألفرد نوبل”  تاريخا من الصراع الفكري بين الديمقراطية الاجتماعية في السويد والجيل الأول لأنصار النيوليبرالية المدعومين بنخبة رجال الأعمال والمصرفيين، وهي مثال فريد على الانتهاك الناجح للعلامات التجارية.  ومع ذلك، لا أحد في العالم يستطيع منع الصحفيين والاقتصاديين وعامة الناس من الحديث عن “جائزة نوبل في الاقتصاد” بكل ما تحمله من دلالات.

في عام 1968، أقنع البنك المركزي السويدي(ريكسبنك) مؤسسة نوبل بإضافة جائزة في الاقتصاد، متطابقة في كل شيء عدا الأسماء الموجودة في جوائز العلوم والأدب والسلام. حيث تحمل الجائزة اسم ” جائزة بنك السويد للعلوم الاقتصادية تخليدا لذكرى ألفرد نوبل”،  والسؤال المطروح هنا كيف تم إلحاق هذه الجائزة ببقية جوائز نوبل الأخرى في النهاية؟  في الوقت الذي يطالب أفراد من عائلة نوبل برفع اسمه عن الجائزة.

الوصية الشهيرة:

عندما توفي ألفريد نوبل في ديسمبر 1896، ترك الجزء الأكبر من ثروته الكبيرة لتأسيس خمس جوائز سنوية لأولئك الذين سيحققون أكبر فائدة للبشرية.  قسمت الثروة المخصصة للجوائز إلى خمسة أجزاء متساوية، جزء للشخص الذي يجب أن يكون قد قام بأهم اكتشاف أو اختراع في مجال الفيزياء، وجزء للشخص الذي قام بأهم اكتشاف أو تحسين في مجال علم الكيمياء، جزء للشخص الذي حقق أهم اكتشاف في مجال علم وظائف الأعضاء أو الطب، جزء للشخص الذي أنتج في مجال الأدب العمل الأكثر تميزًا، وجزء للشخص الذي يجب أن يكون قد قام بأكثر أو أفضل عمل للأخوة بين الأمم، وإلغاء أو تقليص الجيوش الدائمة وعقد مؤتمرات السلام وتعزيزها.

كما نص ألفرد نوبل على أن جوائز الفيزياء والكيمياء ستمنحها الأكاديمية السويدية للعلوم، وجائزة الطب تمنح من معهد كارولينسكا في ستوكهولم، وجائزة الأدب من الأكاديمية السويدية، وجائزة السلام من قبل لجنة منتخبة من قبل البرلمان النرويجي.

يمكن لأي شخص أن يتساءل الآن من أين جاءت الجائزة السادسة في مجال الاقتصاد، وإذا كان الأمر بهذه البساطة في إنشاء جوائز نوبل جديدة، لماذا لم يتم إنشاء جائزة خاصة بعلم الاجتماع أو الرياضيات أو غيرها من العلوم الأخرى؟

لقد كان إنشاء هذه الجائزة منذ البداية مثيرا للجدل، لدرجة أن مؤسسة نوبل بذلت قصارى جهدها للإصرار على أنه لن يتم قبول المزيد من نوبل جديدة من قبل المؤسسة في المستقبل، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن  هذا الإصرار  على أن تكون جائزة الاقتصاد آخر جائزة تضيفها مؤسسة نوبل إلى بقية الجوائز الأخرى، رغم اختلافها عن الجوائز الأخرى من ناحية الاسم أو  جهة التمويل وغيرها من الإجراءات الأخرى.

بنك ريكسبنك والبحث الشرعية العلمية:

 لا يمكن أن نفهم ظروف ظهور جائزة بنك ريكسبنك المعروفة بجائزة نوبل في الاقتصاد دون التوقف قليلا عند التاريخ الاقتصادي للسويد، وهو ما سيساعدنا على استيعاب الصورة الكبرى لحقيقية الصراع بين الحكومة بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، باعتباره مهندس دولة الرفاهية في السويد والبنك المركزي ذي التوجهات النيوكلاسيكية النيوليبرالية لاحقا.

أعطى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في السويد الأولوية للإسكان والتوظيف الكامل، وهي السياسة التي قاومها البنك المركزي بحجة تحقيق استقرار الأسعار. لذا فقد قامت الحكومة بخنق البنك الذي كان يبحث عن طرق لإعادة تأكيد نفسه.

بدأ البنك المركزي السويدي بالاستياء من الأغلال التي فرضها البرلمان السويدي عليه بعد الحرب العالمية الثانية. ومع تعيين محافظ البنك المركزي الجديد في عام 1955، بير سبرينك، أقنع مجلس إدارته برفع معدل الخصم في عام 1957 بنسبة 1٪ دون إخطار الحكومة، مما أدى إلى نشوب  أزمة سياسية  في الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كان وزير المالية جونار سترينج منزعجًا للغاية وطالب العديد من أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم باستقالة بيرسبرينك من منصب حاكم بنك ريكسبانك. وبدلاً من ذلك، قدم بير إكربرج، رئيس المجلس العام لبنك ريكسبنك، استقالته استجابة لمطالب الحكومة، كان رد البنك على لسان إريك ليندال الذراع الأيمن لبير سبرينك، بأنه لا يوجد مكان لتدخلات السياسيين في السياسة النقدية.

 يُصوَّر هذا الحدث في التاريخ السويدي غالبًا على أنه أول هجوم شامل على السياسات الاقتصادية للحزب الاشتراكي الديمقراطي اليساري في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أصبحت هذه الحادثة تعرف باسم “انقلاب سعر الفائدة”.

مع ارتفاع أسعار الفائدة، جاءت الأرباح المعززة بشكل كبير للبنك المركزي في السنوات اللاحقة، في حدود 20-40 مليون دولار أمريكي سنويًا. أصبحت هذه الفوائض المتزايدة بحد ذاتها مصدر خلاف إضافي بين البنك والحكومة. اعترف البنك بأنه ملزم بتسليم جزء من الفائض إلى الخزانة، لكنه أصر بشكل خاص على أن يبقي على الجزء المتبقي لنفسه، بحجة أنه في وضع أفضل ليقرر كيف ومتى ينبغي إنفاقه. مرة أخرى، كان رد الاشتراكيين الديمقراطيين بأن المجلس لا يمتلك السلطة التقديرية الرسمية لإجراء مثل هذه الدعوة. قام محافظ البنك بير سبرينك بتحدي الحكومة من خلال التأكيد علنًا على إنشاء صندوق اليوبيل للبحوث للاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة الوشيكة للبنك في عام 1968. صُدم بعض أعضاء البرلمان لسماعهم بالخطة في البداية من خلال تسريبات الصحف والإذاعة، لأنهم لم يتلقوا اتصالا من البنك للحصول على الموافقة  لتأسيس مثل هذا الصندوق، واشتكى آخرون من أن البنك كان يتصرف بتهور كما لو كان “دولة داخل الدولة”، وهو أمر لم يكن مسموحًا به في ميثاقه. ومع ذلك، وبعد اعتراضات شديدة، صوت البرلمان بالموافقة على الصندوق المقترح في أبريل 1962. ثم شرع البنك في بناء حصن جديد لنفسه باستخدام بعض الأموال، وفكر في كيفية تخصيص جزء آخر “للبحث”.

من المهم الإشارة إلى  أن الاقتصاديين المهيمنين على البنك كسبرينك وليندبك وليندال وليونبرغ كانوا جميعا من جزءا من مدرسة فكرية كانت مقتنعة بأن الديمقراطيين الاجتماعيين وما يسمى بـ “النموذج السويدي” كانوا يهددون  استقرار اقتصاد السويد، وأن دولة الرفاهية الاجتماعية يجب تقليصها، وأن إحدى الطرق الفورية لتحقيق هذه الغاية هي جعل البنك المركزي أكثر استقلالية عن مالكه الاسمي المتمثل الدولة السويدية.  وهو ما دفعهم إلى البحث عن  طريقة تحررهم من التبعية السياسية للحكومة.

لم يكن الشعب السويدي مستعدا لتقبل فكرة إدارة الاقتصاد بطريقة غير ديمقراطية من طرف البنك المركزي، لذلك بدأ البنك بالترويج لعلم الاقتصاد باعتباره علما حيويا وناجحا، بحيث يتحول الجمهور في النهاية إلى خبراته، والسماح للبنك المركزي بالتعامل مع الأمور دون عائق، بالطريقة التي يرى أنها مناسبة في الواقع.

كان  هدف هؤلاء الاقتصاديين هو إعادة توجيه المجتمع السويدي بعيدًا عن تركيزه السابق على المدارس الأوروبية للفكر الاقتصادي قبل الحرب العالمية الثانية، نحو الفكر الاقتصادي الأمريكي أو ما يعرف بالاقتصاد النيوكلاسيكي، باعتباره المعيار الجديد للأرثوذكسية. حيث أصبحت إصدارات الاقتصاد النيوكلاسيكي المدعومة من نخبة مجتمع الأعمال التي تم تشكيلها في أمريكا ما بعد الحرب تعتبر مستقبل علم الاقتصاد.

 أمضى العديد من جيل المؤسسين، مثل ليندبيك نفسه، وقتًا في جامعات الولايات المتحدة في استيعاب التعابير الجديدة والممارسات البحثية، كان هناك شك في أن السويد تخلفت عن الركب في التقنية الرياضية، وربما حتى التطور الاقتصادي القياسي.

إنشاء الجائزة:

بعد مراكمته لاحتياطات مالية ضخمة، أصبح لدى محافظ البنك بير سبرينك خطط أكثر طموحا للاحتفال بعيد ميلاد بنك ريكسبنك في عام 1968، والتي تضمنت لعبة أكثر جرأة من انقلاب أسعار الفائدة أو صندوق اليوبيل. فقد بدأ بير سبرينك في التعرف على بعض اللاعبين الرئيسيين وراء الكواليس حول إمكانية تخصيص جائزة نوبل للاقتصاد التي ينظمها ويمولها البنك بنفسه.

يفيد ليندبيك، الذي كان وقتها أستاذًا في مدرسة ستوكهولم للاقتصاد ومستشارًا رسميًا للبنك منذ عام 1964، أنه قد تم الاتصال به من قبل سبرينك في عام 1967 أو أوائل عام 1968 لتقييم إمكانية الحصول على مثل هذه الجائزة الممولة بالكامل من قبل ريكسبنك من الفائض الذي يحتفظ به. ولأنه قد يكون من غير اللائق أن يتورط رئيس ريكسبنك عن وضع الأساس لجائزة كهذه بدون تفويض سياسي سابق على الإطلاق،  فقد تم تجنيد ليندبك كوسيط بين سبرينك ومؤسسة نوبل. استشار ليندبيك رئيس مؤسسة نوبل نيلز ستوله ومستشارها المالي جاكوب والنبيرج. لكن الأخير شعر أن إضافة جائزة نوبل أخرى غير وارد. وبعد مفاوضات مكثفة، تم التوصل إلى “حل وسط”، حيث يمكن للبنك تمويل جائزة “مختلفة” تبدو مع ذلك بشكل مريب مثل جائزة نوبل حقيقية، وهو ما يعتبر بمثابة جائزة نوبل موازية، حملت اسم “جائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل.

موقف عائلة نوبل:

قام مهندسو الجائزة بتحييد عائلة نوبل بشكل أقل ما يقال عنه أنه مظلل ومخادع، وهذا ما أدى لاحقا إلى قيام أربعة أفراد من عائلة ألفرد نوبل بالمطالبة برفع اسمه عن الجائزة . كما أصدر بيتر نوبل وهو سليل ألفريد نوبل في سنة  2010 بيانا مطولا ينتقد فيه الجائزة ومعارضة العائلة لها، يقول بيتر نوبل: ” يجب انتقاد جائزة الاقتصاد في ذكرى ألفريد نوبل لسببين. أولاً، إنه استخدام مخادع لمؤسسة جائزة نوبل وما تمثله. ثانيًا، جائزة الاقتصاد منحازة ، بمعنى أنها تكافئ من جانب واحد الأبحاث والنظرية الاقتصادية الغربية. لم تكن وصية ألفريد نوبل عملاً متسرعًا. لقد كانت وثيقة مدروسة بعناية.  تشير رسائل ألفريد نوبل أيضًا، إلى أنه لا يحب الاقتصاديين. ناقشت مؤسسة نوبل اقتراح جائزة بنك ريكسبنك (البنك المركزي) “في ذكرى ألفريد نوبل” في 26 أبريل 1968. وقد عارض البروفيسور ستين فريبيرج، رئيس معهد كارولينسكا الفكرة. كما أعربت لجنة نوبل في البرلمان النرويجي [الذي يختار مرشح جائزة السلام] عن مخاوف جدية.  لكن كان من المتوقع اتخاذ قرار سريع، تحت الضغط على ما يبدو.  لماذا ا؟ كان لبيرسبرينك محافظ ريكسبنك اتصالات وثيقة مع الحكومة، وبالنسبة لمؤسسة نوبل كان من المهم للغاية الحفاظ على امتيازاتها الضريبية”.

يضيف بيتر نوبل: ”أنه قبل ثلاثة أيام من اجتماع 26 أبريل / نيسان، التقى مدير مؤسسة نوبل آنذاك، نيلز ستوله، باثنين من أفراد العائلة وتحدث هاتفياً مع شخص ثالث، وقد كان موقفهم أنه “لا ينبغي أن تكون هناك جائزة نوبل سادسة”، ولكن إذا كان من الممكن فصل جائزة الاقتصاد بوضوح عن جوائز نوبل، فقد تكون فكرة مقبولة.  في 10 ماي، قام ستوله ورئيس مؤسسة نوبل، فون أويلر، بزيارة مارثا نوبل، أكبر أفراد العائلة، وكانت تبلغ من العمر حينها 87 عامًا – وهي تعاني من ضعف شديد في السمع ولكن في حالة جيدة من الناحية الفكرية.  حصلوا على موافقتها الخطية على جائزة الاقتصاد “في ظل ظروف معينة”، أي أن الجائزة الجديدة في جميع الوثائق والبيانات الرسمية يجب أن تبقى منفصلة عن جائزة نوبل، وفي محادثة هاتفية مع ابن أخيها، قالت مارثا نوبل إن الأمر برمته تم إعداده مسبقًا ومن المستحيل معارضة ذلك، بحيث يمكن للمرء فقط أن يأمل في أن يفوا بتعهدههم بعدم حدوث أي التباس مع جائزة نوبل الحقيقية،  لم تكن هناك موافقة من عائلة نوبل ككل، فقد تم إبلاغنا فقط في وقت لاحق.

يرى بيتر نوبل أن ما حدث هو مثال لا مثيل له على الانتهاك الناجح للعلامات التجارية. ومع ذلك، لا أحد في العالم يستطيع منع الصحفيين والاقتصاديين وعامة الناس من الحديث عن “جائزة نوبل في الاقتصاد” بكل ما تحمله من دلالات.  لهذا السبب، باسم اللياقة وتكريمًا لذكرى ألفريد نوبل، يجب أن تُمنح هذه الجائزة المصرفية في مناسبة مختلفة عن مناسبة تسليم جوائز نوبل الحقيقية.”

أحد الانتقادات التي وجهها بيتر نوبل للجائزة هو منحها جميعا باستثناء جائزتين للاقتصاديين الغربيين، الذين تستند أبحاثهم واستنتاجاتهم إلى مسار الأحداث هناك وتحت تأثيرهم.

إضفاء الشرعية على الجائزة:

نظرا لوقوع الجائزة خارج صلاحيات البنك المركزي السويدي، أين حدد القانون الخاص به وظائفه ومهامه بشكل دقيق، ومن أجل إضفاء الشرعية على الجائزة  تم تقديم مشروع قانون على عجل إلى البرلمان وتم التصويت عليه دون أي مناقشة عامة، في 11 أفريل (نيسان) 1969، صوت المجلس الأول بـ 79 لصالحه مقابل 20 ضده وامتنع 18 عن التصويت. وفي 16 أبريل، صوت المجلس الثاني بـ 152 لصالحه، و 28 ضده و 28 امتنعوا عن التصويت.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock