أخبار الوطن

من سيدفع الثمن الأكبر لحرب باردة بين أمريكا والصين؟

يقتل الآلاف على هامش الصراعات الكبرى دون أن تلتفت لهم العدالة وتبقى الأنظمة السلطوية ما دامت تخدم قطبا ضد آخر-

تواصل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين السير نحو حرب باردة، في ظل سعي الأولى للحفاظ على موقعها المستفرد بالهيمنة على الساحة الدولية، مقابل تنامي اقتصاد العملاق الآسيوي، وما يرافقه من نفوذ استراتيجي.

ويثير المشهد مخاوف من سقوط دول أخرى ضحية لذلك الصراع، على غرار ما حدث إبان المنافسة الأمريكية السوفييتية.

وخلال الحرب الباردة الأولى، كان كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يستدعي شعاراته الأيديولوجية المضادة للآخر لتبرير تدخلاته في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى (الاشتراكية مقابل الليبرالية)، ما أدى إلى سقوط دول وشعوب ضحية لذلك، من كوريا شرقا، مرورا بفيتنام وأفغانستان والشرق الأوسط وليس انتهاء بأمريكا اللاتينية.

واليوم، فإن بكين، وإن كانت لا تسعى لتصدير نموذجها الاشتراكي، فإنها لا تهتم كثيرا بتجنب عقد شراكات مع دول استبدادية، على قاعدة “عدم التدخل بالشؤون الداخلية”، وهو ما وعدت إدارة جو بايدن الجديدة في واشنطن بمواجهته من خلال إعادة صياغة علاقاتها مع الدول على أساس “احترام حقوق الإنسان”.

لكن الولايات المتحدة في المقابل لا تتوانى، بشكل معلن، عن الحفاظ على دعمها لأنظمة تتهم بالاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية، بهدف الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية معها، مستخدمة “فزاعات” متنوعة، انضم لها حديثا “خطر تمدد النفوذ الصيني”.

وظهر ذلك جليا في موقف إدارتي بايدن وسلفه دونالد ترامب من السعودية في ملف اغتيال الصحفي الراحل جمال خاشقجي، رغم الكشف عن تقدير استخباري يفيد بتورط ولي عهد المملكة، محمد بن سلمان، في القضية.

العدالة.. الخاسر الأكبر

يثير ذلك مخاوف عميقة حول العالم من تماد في سياسة “غض الطرف” عن الانتهاكات، وهي التي كانت متبعة حتى في ظل الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، كما حدث في سريلانكا نهاية الثمانينيات، بحسب الكاتب الأمريكي “فينسينت بيفنز”، في مقال نشره موقع “ذا أتلانتيك“.

ويقول “بيفنز” في مقاله، الذي ترجمته “جادت نيوز”، إن عشرات الآلاف قتلوا آنذاك في سريلانكا، خلال قمع النظام الحاكم لليساريين المدعومين من قبل موسكو، فيما أظهرت وثائق معرفة القوى الغربية الكبرى بما يجري هناك، وغضها الطرف عنه، ما اعتبر ضوءا أخضر للسلطات في البلد الآسيوي الصغير لفعل المزيد.

ولم تكن تلك حالة فريدة، حيث قتل مليون يساري في إندونيسيا “على هامش” الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي.

ويضيف بيفنز: “في بحثي، وجدت مجموعة من الحالات التي قدمت فيها واشنطن مساعدة مباشرة أو موافقة ضمنية للحكومات لقتل اليساريين أو المتهمين بتبني أفكار يسارية. شكلت تلك الفظائع بعمق العالم الذي نعيش فيه الآن. سوف تتبادل الحكومات اليمينية وحلفاء واشنطن والحركات المتعصبة المناهضة للشيوعية النصائح والتكتيكات، غالبا بمساعدة المسؤولين الأمريكيين”.

ويتابع: “لقد تعلموا أنهم إذا قتلوا أعداء أمريكا المفترضين في الحرب الباردة، فستتم مكافأتهم”.

وبالمجمل، رصد بيفنز 23 حالة مشابهة خلال الحرب الباردة، وقعت فيها فظائع نفذتها أنظمة يمينية أو حليفة لواشنطن بحق قوى يسارية، أو يشتبه بموالاتها للاتحاد السوفييتي.

ومجددا، تبدو واشنطن، الساعية بشكل معلن للتركيز على صراعها مع بكين، غير عابئة بتلك “الديمقراطية” التي ساقتها في تبرير غزوها للعراق وأفغانستان قبل عقدين، ما دامت الأنظمة لن تذهب بعيدا في سعيها للاستقلال بقرارها الوطني وعقد صفقات اقتصادية على أساس المصالح، ما يعني إمكانية عقدها شراكات كبيرة مع الصين.

وظهر ذلك جليا في مواقف واشنطن من انقلابات منطقة الشرق الأوسط، وعلاقتها مع أنظمتها المتهمة بالاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان، وصولا إلى انسحابها من أفغانستان دون اكتراث بانهيار ما كانت هي تحتفي به من مكتسبات على مستوى الديمقراطية والحريات والحقوق خلال السنوات الماضية.

مناطق مهددة

وبالحديث عن اختلال ميزان العدالة في ضوء الصراع، يظهر اهتمام الولايات المتحدة الكبير بمصير أقلية الإيغور المضطهدة في الصين، على سبيل المثال، مقابل منعها محكمة الجنايات الدولية من التحقيق في انتهاكات الجيش الأمريكي في أفغانستان وقتلهم العشوائي للمدنيين على مدار السنوات الماضية.

ولطالما اتهمت الولايات المتحدة بالكيل بمكيالين، لكن دخول الصراع الدولي مرحلة حرجة يهدد المناطق الأكثر هشاشة، ولكن ذات الأهمية الجيواستراتيجية في الوقت ذاته، بفظائع رهيبة، قد لا توقفها تلك القدرة السريعة في عالمنا على نقل الصورة والخبر.

ولم يمنع دخولنا عصر التكنولوجيا الرقمية والتواصل الاجتماعي العديد من المستبدين من تنفيذ أعمال تطهير عرقي لم يسبق لها مثيل منذ عقود، سواء في سوريا أو ميانمار (بورما)، وليس انتهاء بما فعله تنظيم الدولة في سوريا والعراق، وما فعلته مليشيات “الحشد الشعبي” من أعمال انتقامية بعد ذلك.

وفي هذا السياق، أعرب أستاذ العلوم السياسية بجامعة “شيكاغو”، جون ميرشايمر، عن مخاوفه من أن الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة ستكون لها عواقب على الدول الأصغر التي يمكن تحويلها إلى مجرد أطراف تعمل بالوكالة لدى القوتين الأكبر في العالم.

وتحدث ميرشايمر، وفق ما نقلت عنه صحيفة “داون” الباكستانية، وترجمته “جادت نيوز”، عن مخاوف عميقة بشأن الأوضاع في منطقة جنوب آسيا، على وجه الخصوص، حيث أعرب عن اعتقاده بأن باكستان ستنحاز إلى الصين، فيما ستعمل الهند كوكيل أمريكي، وستعمل واشنطن على احتواء المشهد في ميانمار قبل أن تخسرها إلى الأبد لصالح بكين.

كما أنه لفت إلى ضرورة الاهتمام بالتطورات في وسط آسيا أيضا، حيث تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في الجمهوريات السوفييتية السابقة هناك.

وتوقع ميرشايمر أن تنقلب روسيا على الصين في نهاية المطاف وتتعاون مع الولايات المتحدة ضدها، وخاصة في ما يتعلق بوسط آسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock